الأحد، 25 مايو، 2014

سوء معاملة وانتظار للسّوريّين في مطار عمان


سوء معاملة وانتظار للسّوريّين في مطار عمان



يعاني السّوريّون صعوبةً كبيرةً وإن كانت مستحيلةً أحياناً في الدّخول إلى الأراضي الأردنيّة حتّى ولو كان بحوزتهم موافقة أمنيّة يضمنون دخولهم عن طريقها إلى العاصمة عمّان .
بتاريخ 9-5-2014 كنّا مدعوّين إلى دورة تدريبية مع إحدى المؤسّسات الإعلاميّة ، وعند وصولنا إلى المطار ، قدّمنا بسبوراتنا للختم عليها ، طلب منّا الضّابط المسؤول تعبئة استمارة يبدو أنّها خاصّة بالسّوريّين ، لم نكترث لهذا الموضوع لأنّنا تعودنا عليه كسوريين في بلدنا ، وأنا أقوم بتعبئة الاستمارة كانت بجانبي فتاة عشرينيّة عرفت من لهجتها أنّها سوريّة أيضاً ، كانت تترجّى الضابط علّها تدخل لأنّ خطيبها بانتظارها في الدّاخل ، لم آبه كثيراَ للموضوع لأنّني كنت واثقاً من قدرتي على الدّخول ومعي كرت دعوة ومعي حجز في أحد الفنادق وموافقة أمنيّة عن طريق المؤسّسة التي سأدخل لأتدرّب معها لمدة خمسة أيّام فقط وأعود من حيث أتيت ، قمت بتعبئة الاستمارة التي كانت عبارة عن تحقيق نظامي ، من أين أتيت ولماذا أتيت ولعند من أتيت وماذا ستفعل وكم يوم ستبقى ؟!!!
طلب منّي الضّابط الجلوس بعيداً عن مكتبه والانتظار على أحد الكراسي ، سألته لماذا ؟!  ، قال : ( لنرجعك من محل ما إجيت ) ، ابتسمت في وجهه وسألته : انت عم تمزح معي أكيد؟! ، ردّ بنبرةٍ غاضبة : ليش حتى امزح معك؟! مالنا رفئات حتى امزح معك ، يلا جهّز غراضك لازم ترجع .
جلست بعيداً على أحد الكراسي منتظراً ، وجدت على يميني ويساري عدد كبير من السوريين العالقين مثلي ، أفراد وعائلات ، على يساري إمرأة صغيرة  في مقتبل العمر ، سألتني : انت شو جنسيتك ؟ رددت عليها : سوري ، من المغضوب عليهم متلك ، ردّت علي : أنا لبنانية مو سورية ، وما بعرف ليش كمان قالولي انتظر هون ، بحياتها ما صارت معي ، ما في بلد عربي ما رحت عليه  ، ودائماً بيختمولي وبدخل مباشرةً ، ونحنا اللبنانية على طول بالمطار ما منخلّي حدا ينطر بالمطار ، ليش هيك عم يعملوا فينا هون؟!
بعد قليل ، أتت الفتاة التي كانت تقوم بترجّي الضّابط وتطلب منه السّماح لها بالدّخول ، جلست بجانبي وبدأت بالبكاء ، سألتها من أين أتيت ؟
أجابت بنبرةِ حزينة : أنا من مصياف ، نزلت على بيروت وإجيت لهون ، خطيبي جوا ، وأنا جايي إتزوج واستقر معو هون بالأردن ، وافقوا يدخلوا رفيقتي وأنا ما فوّتوني ، الرجعة عسوريا مو سهلة بنوب ، الطريق بشع وتعذّبت كتير حتى وصلت لهون .
انتظرنا قرابة الساعة ، يذهب الضبّاط من أمامنا ويعودون ويدخلون لمكاتبهم ومعهم عدد من جوازات السفر السورية ، كل عشر دقائق تقريباً يقوم الضابط بالمناداة على واحد من الجالسين بجانبي ، يأخذهم إلى إحدى الغرف ، ويقوم الضّابط المسؤول عن الموضوع بالتّحقيق معهم ، بالنّسبة لي كان موضوع عودتي أمرٌ محسوم بالنّسبة لهم لأنّهم لم يحقّقوا معي أبداً ، وكأنّني إسرائيلي مثلاً وليس عندي الحق بالدّخول إلى بلاد "النّشامى" .
مضت ساعة أخرى ، قاموا بمناداتنا جميعاً ، وجمّعونا في مكانٍ واحد وقاموا بطلب حجوزات الطّيران ، وأخذونا جميعاً ، وأدخلونا إلى غرفةٍ صغيرة ، يبدو أنّها قد هيّأت منذ فترةٍ طويلة لاستقبالنا واستقبال غيرنا من مئات السوريين الذين يأتون يومياً للدخول إلى الأردن ، في داخل الغرفة أكثر من عشرين شخص آخرين ، وفي داخلها باب يطل على غرفة أخرى تم تجهيزها خصّيصاً للنّساء.

عشرات السّوريّين منهم النّائمين ومنهم الجالسين على الكراسي وقد بان على وجوههم التّعب والملل من الانتظار ، النساء والأطفال الصّغار دخلوا إلى الغرفة المخصّصة للنِّساء ، وكبار السّنّ نائمون بعد انتظارٍ طويل .
أطلقَ السوريّون على هذه الغرفة الصّغيرة اسم "سجن المطار" لأنّ شعور السّجن واحد ، كما هي حال السجون في سورية ، هذا السّجن لا يقل شأناً عنها إلا أنّهُ أخفّ زحمةٍ فقط ، لا تستطيع الدّخول إلى الحمّام إلا كل ست ساعات مرّة ، وبمزاج الضابط ، ولعددٍ محدود فقط من الأشخاص يختاره الضابط بمزاجه الخاص ، والأكل نفس الشيء ، وحجز حرّيّتك في المقام الأوّل .
محمود شاب أتى إلى هنا منذ يومين ، وهو بانتظار موافقتهم لدخوله إلى الأراضي الأردنيّة ، يملك محل صغير في عمّان وهو مقيم فيها منذ سنتين ، ذهب إلى اسطنبول لمدة أسبوع فقط لزيارة أقاربه وعاد ، ولم يسمحوا له بالدخول ، شرح لي كيف وعدوه بعدم استقباله أثناء خروجه من مطار عمّان منذ أكثر من أسبوع باتجاه اسطنبول ، قالوا له : " بس تطلع من هون ما بقى في رجعة " ، تحدّث لي عن سهولة وبساطة إجراءات دخوله إلى مطار اسطنبول ، وأكّدَ لي أنّ المعاملة التي تلقّاها من الأتراك هناك  خلال أسبوع أفضل بكثير من المعاملة السّيئة التي تلقّاها من بعض الأردنيين لا الكل خلال سنتين ، وخصوصاً الموقف الذي حصل معه الآن في المطار.
خلال هذه الساعات القليلة  ، كنّا نستقبل ضمن نفس الغرفة كلّ قليل عددٌ من السوريين الّذين تمّ منعهم من الدّخول إلى عمّان ، وكان يتم ترحيل عدد آخر إلى البلد الّذي أتوا منه ، منهم الأفراد ومنهم العائلات ، إحدى هذه العائلات كانت عائلة أبو شفيق ، الأخير كان قادماً من دمشق إلى مطار بيروت ، ومنه إلى عمّان ، لم يستطع الجلوس طيلة وقت انتظاره ، وكان يجري اتصالاته محاولاً إيجاد وسيطٍ ليتدبّر أمر دخوله إلى الداخل ، نصحه الجميع بعدم جدوى ذلك ، وذلك للتّشديد الكبير ومنع أي سوري من الدخول ، وعده البعض بأن يحاولوا مساعدته وتعلّق بهذه القشّة ، ولكنّه سرعان ما نادى عليه أحد الضّبّاط بعد ساعةٍ من قدومه ، وطلب منه تجهيز أغراضه وعائلته للعودة إلى بيروت .
ليس كل من يدخل يمكن أن يعود في نفس اليوم ، أو خلال ساعات ، إحداهنّ كانت موجودة في هذه الغرفة منذ ثلاثة أيام ، ولم ترضَ العودة إلى مطار بيروت رغم صعوبة وضعها وانتظارها منذ ثلاثة أيّام ، في غرفةٍ تصعب فيها كل مقوّمات الحياة والمعيشة ، فقدت الأمل في هذا اليوم ، وعادت مع عائلة أبو شفيق إلى بيروت .
يحاول السوريّون العودة مراراً وتكراراً وأكثر من مرّةٍ العودة إلى الأردن بعد سماعهم بالسّماح لأحدهم بالدخول إلى الأراضي الأردنية ، علّهم يستطيعون الدخول بعد تخفيف القبضة الأمنيّة ، وخصوضاً أنً معظمهم يملك أقارب له في الدّاخل ، أو عملاً معيّناً يسترزق منه ، فمنهم من وصل إلى المطار ثلاث أو أربع مرّات ولكن بدون جدوى ، ويصفون ذلك بقولهم ( خيار وفئّوس ) ، فأحد الذين التقيت بهم في هذه الغرفة كان هو وزوجته ، وافقوا على دخول زوجته ولم يوافقوا على دخوله .
الضبّاط كانوا يعاملوننا كمعاملة ضبّاط المخابرات ، ممنوعٌ عليك سؤالهم أيّ سؤال ، فهم لا يعرفون شيئاً على حسب زعمهم ، كل ما يعرفوه هو أنّك لا تستطيع الدخول ويجب عليك الانتظار لحين موعد طائرتك ، وإذا حصلَ وحاولت أن تتفهّم منهم بعض الأمور ، يتحجّجون بأنّ السّوريين يأتون لتخريب البلد ، أو للعمل بالدّعارة في المقام الأوّل ، كما قالت المسؤولة عن غرفة السّيّدات لإحداهن ، ( إنتوا عم تجوا هون أغلبكن عم يشتغل بالدّعارة ، لهيك ما عم يرضوا يدخلوكن ) ، الفتاة اللبنانيّة أيضاً تم منعها من الدّخول لنفس الحجّة ، وعادت إلى بيروت بعد عشرة ساعات انتظار.
عندما حان موعد طائرتي بعد انتظار 15 ساعة في المطار ، رافقني أحد الضّبّاط لتسليمي حتّى أجلس في كرسي الطّائرة المخصّص لي ، بيّن لي قدرته على إدخالي وذلك لقاء مبلغٍ معيّن إن رغبت في ذلك ، المبلغ يقدّر بقرابة الألف دولار ، بيّنت له أنّني لا أرغب بالعودة مجدّداً إلى الأردن ، وسألته عن الأسباب التي أوصلت القبضة الأمنية لما هي عليه الآن ، فتذرّع مباشرةً بموضوع الدّعارة  ، وأكّد على حد زعمه أنّ السّلطات ألقت القبض على أكثر من ثلاثةَ عشر بيتاً للسّوريين يعملون بالدّعارة في الأسبوع الماضي .


يذكر أنّ الحكومة الأردنيّة أعلنت عن منع إصدار شيكات مصدّة بالدّولار الأمبركي يكون المستفيد منها سوري الجنسيّة ، وكذلك منع إصدار حوالات (ويسترن يونيون ) يكون أحد أطرافها سوري الجنسيّة ، وذلك ضمن النّهج المتّبع للتّشديد على السّوريّين.
المواطن اليهودي يستطيع زيارة أي بلد في العالم ، ومنها عدد كبير من الدول العربيّة ، بسبب جواز سفره الإسرائيلي ، بينما المواطن السوري (العربي)  الآن ، كَرٍهَ جواز سفره ويحاول الحصول على جنسيّةٍ أخرى من أيّ بلدٍ آخر ، حتّى لا يعيش الذّلّ الذي يعيشه الآن .
 إلى متى سيبقى السوريون مشردون في كافة أنحاء الأرض ، ولا أرض تحتويهم ، بعد أن كانوا يحتوون كل من لجأ إليهم ، وكانوا يعاملونه كصاحب الدّار ، إن كان لبناني أو عراقي أو فلسطيني !!!!


المقال تم نشره في مجلّة شوارعنا / العدد الثّاني عشر




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق